صحافة اسرائيلية - فواز تركي - ترجمة: تيسير نظمي - محاصرة المدن والقصف العشوائي.. استهداف للروح الفلسطينية - ما يجري في فلسطين اليوم
- الجنود الاسرائيليون يرفضون السماح لسيارة الإسعاف بالمرور من نقطة التفتيش كي تنقل المصابين الي المستشفي - البلدات مفروض عليها منع التجول والفلسطينيون علي حافة المجاعة - القوات الإسرائيلية مدعومة بخمس وعشرين دبابة ومروحيات وناقلات جنود مسلحة تشن هجوماً علي مخيم للاجئين
فواز تركي واحد من ألمع وأهم الكتاب الروائيين العرب الذين يكتبون بالإنكليزية. صدرت له الطبعة الثانية من روايته المشهورة (المجتثون، يوميات منفي فلسطيني) عام 1974 التي أثارت ضجة نقدية آنذاك في الصحف البريطانية والأمريكية. وهو كاتب من أصل فلسطيني ويحمل الجنسية الاسترالية منذ ثلاثة عقود ويقيم في الولايات المتحدة منذ زمن طويل ويحاضر ويكتب في الشؤون الفلسطينية بشكل عميق ولافت للنظر. وفي ما يلي ترجمة لآخر مقالة له عن ممارسات جيش الإحتلال الإسرائيلي في الضفة الفلسطينية المحتلة وقطاع غزة: رمزية المعني في واقعة قتل المسحر الفلسطيني (22سنة) في نابلس في شهر رمضان الماضي (27 تشرين ثاني) رمزية كانت فاقعة ولافتة للنظر بشكل صادم. ففي حدود الساعة الثالثة فجراً بزغ أنفار عدة من جنود الإحتلال الإسرائيليين من مخبئهم في أحد أزقة مدينة نابلس وصوبوا بنادقهم علي جهاد الناطور وهو يطرق علي طبلته الصغيرة فأردوه قتيلاً. وجهاد ناطور لم يكن سوي (مسحر) يمارس أحد الثوابت الثقافية التي يرجع تاريخها لقرون مضت في المدن الإسلامية في مختلف بلدان العالم خلال شهر رمضان حيث لم تكن وظيفته بأكثر من إيقاظ المؤمنين لتناول طعام السحور في تلك الساعة استعداداً لإمساكهم عن الطعام من شروق الشمس حتي مغيبها.
رفض مرور سيارة الاسعاف ومات الناطور مقتولاً في الشارع بعد أن رفض الجنود السماح لسيارة الإسعاف بالمرور من نقطة التفتيش كي تنقله للمستشفي. وبالطبع لم يكن هنالك ثمة صحفيين ومصورين كي يلتقطوا صورة له أو لذلك المشهد. وحتي لو توفروا فمن المشكوك فيه أن تلتقط الكاميرا برغم ما يتوفر بها من امكانيات الحجة والإثبات والموضوعية ذلك المعني العميق والرمزي لدلالة الحدث. ذلك أن قتل مسحر ليس مجرد فعل غير مبرر من أفعال العنف الموجهة نحو إنسان أعزل وإنما هو هجوم مقيت علي ثقافة وتقاليد ديانة شعب. إذ كيف لك أن تعرف العواقب الناجمة عن احتلال شعب لشعب آخر من دون أن تعرف (المعني) من جراء ذلك؟ وعليه لا بد أن ننظر للمسألة علي النحو التالي: فمع نهاية الشهر الأخير من هذه السنة يكون لم يمر يوم واحد في الواقع من دون أن يقترف جنود الإحتلال في الضفة وغزة لفعل من أفعال العنف ضد المدنيين. ففي الثالث من كانون الأول (ديسمبر) قتلت امرأة عجوز عمرها 95 سنة أثناء عودتها لقريتها وقد ابتاعت لعائلتها شيئاً من حلويات طعام الإفطار في شهر رمضان كي تبهجهم فلم يكن من الجنود المبتهجين بالضغط علي زناد بنادقهم سوي أن هشموا زجاج الحافلة التي تقل العجوز ثم أطلقوا نيران أسلحتهم داخل السيارة، طبقاً لتقرير إخباري نشرته صحيفة الواشنطن بوست. وفي السابع من الشهر نفسه (كانون الأول (ديسمبر) 2002) شنت القوات الإسرائيلية المدعومة بخمس وعشرين دبابة ميركافا والمروحيات وناقلات الجنود المسلحة، هجوماً علي مخيم للاجئين في منتصف قطاع غزة في وقت مبكر من صباح ذلك اليوم لتقتل عشرة من الفلسطينيين بمن فيهم اثنان من العاملين في الأمم المتحدة. وهكذا تواصل القوات الاسرائيلية اعتداءاتها يوما بيوم بهجمات أخري موقعة إصابات أخري .كل هذا يجري علاوة علي نسف البيوت واقتلاع أشجار الزيتون، ونقاط التفتيش تتمترس بكل صفاقة في كل مكان، وكل البلدات مفروض عليها منع التجول والناس علي حافة المجاعة لأن اقتصادهم قد تم إيقافه توقيفاً تاماً. إنها لحقيقة، أن إحتلال شعب لشعب آخر علي درجة من القبح الذي من الصعب مراقبته، من الصعب فهمه، من المـــــــؤلم تسجيله، فالوصف المـــــدون لمعاناة غير منطوقة تعجز عنها مفردات اللغة بغض النظر عن تقيداتها الفكرية وعن الاستخدام المحكم لكلمات سوف لن تبدأ بمعرفة المعني لما يجري هنا. فماذا يعني الإعتداء علي روح شعب؟ إنه كما لو كنا لا نريد معرفة ما يجري في فلسطين هذه الأيام. رعب لا يقبله عقل، وبرتابته اليومية يصبح اعتيادياً بعد استسلامنا لمشاعر الإعياء . نتوقف عن هز رؤوسنا من دون تصديق يبعث علي الغثيان. فماذا بوسعنا أن نفعل إزاء ذلك علي أية حال؟، نقول لأنفسنا. وفي الوقت نفسه تصبح أزمات ومأساة الفلسطينيين واستيائهم ونفيهم وخوفهم وقلة حيلتهم بمرور الزمن جزءا من حياة كل انسان عادي تمسه في كل مستوي من مستويات وجوده. فلقد مر زمن قبل الاحتلال كانت فيه الأشعار والموسيقي والمسرح وفنون الفولكلور وانبعاث أشكال الرقص الشعبي التقليدي (الدبكات) الفلسطينية عادات ثقافية ذات مرجعية كانت قد بدأت تمنح (معطية الحالة الفلسطينية فرادة الاستثناء كشعب محروم من الانتماء ومن كونه أمة) سياقاً خاصاً حاداً، بتحطيم التماثيل بما كانت عليه، بتحرير الروح أولاً. وكل ذلك يبدو اليوم وكأنه آل إلي زوال ولم يتبق منه شيء. وعوضاً عنه وبدلاً منه حلت بلاغة لغوية شعرية وخراب وحزن في الروح لشعب بأكمله جرده من انسانيته من هم غير انسانيين. ودعونا ننسي الغضب والاحباط، العذاب والإذلال الذي بلغ مداه لدي كل فلسطيني كي نهتم بالكلفة الحقيقية لعالمهم النفسي الداخلي الذي من جراء كل ذلك أصيب بآلام نفسية لا تندمل. فبعد 11 أيلول (سبتمبر) علي سبيل المثال خرج الأمريكيون ليشجبوا الرعب الذي أصابهم مع وقوف بقية العالم إلي جانبهم معبرين عن تعاطفهم وتضامنهم والتزامهم. فأكرم الأمريكيون موتاهم وساندوا أسرهم المكلومة وأقسموا علي إعادة البناء وتعبأوا علي الوقوف حراساً ضد هجمات مستقبلية. تدخلوا وناطحوا في أفغانستان وفي كل مكان. تغلبوا علي مخاوفهم وفعلوا ذلك لأنهم يعرفون أنهم لو لم يقوموا بما قاموا به فإن مرتكبي الجرم سوف ينتصرون. وبمرور الوقت شفي الأمريكيون. مثل هذا لا يحدث في فلسطين. فالعنف الممارس ضد الفلسطينيين بشكل يومي كشعب محتل مستمر بلا هوادة ويسحقهم يومياً منذ 36 عاماً (فقد صدق ما قاله حنا أرندت بأن الشيطان من الممكن أن يصبح شيئاً اعتيادياً) يؤذي المجتمع الفلسطيني برمته متسللاً إلي شقوق إدراكهم بحس عميق بالإغتراب. لقد أصبح الفلسطينيون غرباء، دعنا نقول، في عقر دارهم في حين أن المواطن الحر في أرجاء العالم كافة يتمتع بشخصيته الوطنية، حر في صخور وتراب ورماد بلاده. بعبارة أخري لقد فقد الفلسطينيون السيطرة علي أقدارهم وأصبحوا أناساً مثخنين بجراحهم لا يرون بصيص أمل في، وخارج ومن خلال آلامهم حيث أصبحت الآن جراحاً علي اتساعها عميقة بحيث يرفضون حقهم في خيار السبيل إلي العيش فتقزمت تلك الخيارات إلي خيار كيف يموتون فقط. تلكم الجراح، أقول، جداً عميقة وليس للشتات الفلسطيني (الذين في التيه والمتشردين والضيوف الذين مراسيهم في لا مكان وإنما في الأفكار) أن يقولوا لأولئك الذين علي أرضهم والذين من نجا منهم من الجحيم، ولنقل من جنين، من بين أمكنة أخري، والذين غدت علاقتهم بالموت حميمية بأعداد هائلة، كيف يمكنهم تدبر التئام جراحهم تلك. فالجراح متعددة ومعقدة جداً، جراح فوقها جراح، تحتها جراح والمعادل النفسي لها أشبه بالدمي الروسية المصطفة إلي بعضها البعض مرتبة داخل بعضها البعض. تسحبها جميعها واحداً في اثر الواحد وتنثرها أمامك ضمن أي ترتيب تريد. فماذا عساك أن تفعل بها؟ من أين تبدأ؟ الرباعية اجتمعت الأسبوع الماضي (كتبت المقالة في 26 كانون الأول (ديسمبر) 2002) وفشلت هذه المرة في إقناع الرئيس بوش في أن يكشف عن (خريطة الطريق) للتسوية. ماذا بوسعنا أن نقول الآن؟ رباعية، شرمانية! دعونا نكون واقعيين. إن الإحتلال المرعب هذا لشعب من قبل شعب آخر طال أمده كثيراً ولابد من أن ينتهي فوراً.
AZZAMAN NEWSPAPER --- Issue 1421 --- Date 1-2/1/2003
جريدة (الزمان) --- العدد 1421 --- التاريخ 2003 - 1 - 1/2